الشيخ محمد الصادقي
375
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
هذا السئوال المتعنت هو نظرية البعض من فلاسفة الماركسية ، زاعما أن الوجود - أيا كان - لا يستغني عن علة تعاصره ، وافتراض موجود دون خالق يناقض هذه الضابطة . وقد تغافلوا عن أن الحاجة إلى خالق ليست قضية الوجود بما هو وجود ، وإلّا كانت المادة الأولية الأزلية على زعمهم بحاجة إلى خالق ، وإنما هو الوجود الحادث المادي ، يسئل عمن خلقه لأنه مخلوق ، وهذا يهدم صرح أزلية المادة ويبني صرح الخالق الأزلي وراء المادة . فوجاه قولتهم « من خلق الله إذا كان هو الخالق لكل شيء » ؟ نقول : من خلق المادة الأولية إذا كانت هي المتطورة والمطوّرة لكل شيء . وجوابهم : أن المادة خالقة غير مخلوقة لأنها أزلية ، هو جوابنا وبأحرى : أن اللّه خالق غير مخلوق لأنه أزلي كما برهن به الرسول ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) في حجاجه المنيرة ، وإذا كان اللّه خالق كل شيء ، فكل شيء فقير إليه لا يملك لنفسه شيئا ، إذا « وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ » يكل أمره فيما يكلّ في أمره ، ولولا وكالته على كل شيء ، إيكالا لها إلى أنفسها ، لزال كلّ شيء ، أو كلّ كل شيء فيما يصلحه ويدبر أمره . أترى « كُلِّ شَيْءٍ » هنا وهناك يعم أفعال العباد ؟ إذا فهم مسيّرون فيها لا حيلة لهم ، فلما ذا يثابون أو يعذبون ؟ ! أقول : لا ونعم ، لا - حيث الشيء يعني شيء الذات ، لا وشيء الفعل مما له فعل ، وحيث يعنيهما أيضا فلا - حين يعنى خلقا لها ينافي التخيير ، ونعم - حين يعنى أنه الخالق للمختار واختياره وفعله بالاختيار . فالفعل المختار له نسبة إلى الفاعل المختار حيث اختاره دون إجبار ، ونسبة أخرى إلى خالق كل شيء ، إذ لولا إرادته بعد إختيار المختار لما حصل الفعل المختار ، فإنه « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين » وبعد كل